هل بات القنوت مشكلة؟؟
بسم الله الرحمن الرحيم
هل بات القنوت مشكلة؟؟
الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين أما بعد
فإن من أركان الإسلام الركن الثاني بعد الشهادتين هي الصلاة، والتي هي صلة بين العبد وربه، والتي يقول عنها رسول الله من أراد أن يكلم الله فليصل, ومن أراد أن يكلمه الله فليقرأ القرآن.
كما بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة وفصّل ما أُجمل في الآيات بشأن الصلاة.
فكما أن هناك أركان للصلاة،فهناك أيضا شروطا لها لاتتم إلاّ بها، وبجانب تلك الشروط هناك سنن ومن سننها القنوت مطلقا عند النوازل،أو في الفجر بعد الركوع عند من ذهب إلى ذلك.
سبب جمعي لهذا البحث
إن مسألة القنوت ليست محدثة, أو جديدة على شرعنا، وإنما هي مسالة يجري فيها الخلاف من لدن أئمة السلف الأربعة رضوان الله عليهم, فالكل أجمع على سنيتها في النوزال مطلقا, وهذا مما لا خلاف فيه, كما أضاف البعض سنيتها في الفجر, والنصف، الثاني من شهر رمضان, ولكل فيما ذهب اليه دليله, ولم يبدع أحدٌ احدًا؛ فلكل دليه ومذهبه.
هذا هو ما كان عليه الحال وسارت عليه الأمه من ذلك الزمن حتى إنه ليروى القصة التي تصف مدى احترام الأئمة بعضهم لبعض لآراء الجميع، مع أنه قد يخالفه, فيُروى أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي وهو ممن يقولون بسنيّة القنوت، زار قبر الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وهو ممن لا يقول بسنيتها في الفجر، فما كان من الإمام الشافعي إلا أن ترك القنوت فلما سئل عن سبب ذلك قال: " احترامًا لرأي صاحب هذا القبر "
فلما جار الزمن, وأصبح الخلاف في الرأي ـ بدل أن كان سعة ورحمة ـ أُريد له أن يتحول عن مساره, ليصبح نقمة على الناس بغير حجة تقال.
فرأينا تارك القنوت ينكر إنكارا شديدا على فاعله, بل وينسبة إلى البدعة والضلال، وقد ترى العكس تماما، كما أنك قد ترى الكثير ممن قد يتركون الصلاة في مسجد في صلاة الفجر بهذه الدعوى.
حتى جُعل من الصبح ليلا, ومن الضياء ظلاما, والتبس الأمر على بعض الناس، فرأيتُ أن أجمع في هذه الأسطر ما قيل في الأمر حتى يكون المسلم على بصيرة من أمره، فمن تركه له في ذلك سلف، ومن فعله له أيضا في فعله قدوة.
وقد أجمعت الأمة على أن مسالة القنوت خلافية، فمن أئمتنا من قنت في الفجر، ومنهم من ترك، ومنهم من قنت في العشاء، ومنهم من ترك.
وقد قسمت البحث إلى الآتي:
· تعريف القنوت
· مواطن القنوت
· ألفاظه
· نتائج البحث
أولا تعريف القنوت :
القنوت لغة : القيام، قاله الأزهري.
من ذلك ما رواه مسلم 756 وغيره، عن جابر رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصلاة أفضل ؟ قال : طول القنوت.
قال الأزهري : أراد به طول القيام .
وقال النووي : المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء .
قال الأزهري: ومعنى القنوت في الصبح: أن يدعو بعد رفعه رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة.
قيل لذلك الدعاء قنوت، لأن الداعي إنما يدعو به قائما، فسمي قنوتا باسم القيام([1]) .
والقنوت أيضا: الطاعة، ومنه قوله تعإلى: "كلٌ له قانتون "
والقنوت :الصلاة، ومنه قوله تعإلى : " يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين "
والقنوت: السكوت، روى البخاري ، ومسلم ([2])، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا صاحبَهُ في حاجته، حتى نزل قوله تعإلى : " وقوموا لله قانتين " فأُمِرْنا بالسكوت .
والقنوت: الدعاء، وهو أشهرها، قال الزجّاج: المشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وأن القانت الداعي.
قال النووي: يطلق القنوت على الدعاء بخير وشر، يقال قنَت له، وقنت عليه([3]).
القنوت اصطلاحا
اسم للدعاء في الصلاة، في محل مخصوص من القيام([4])
مواطن القنوت:
القنوت عند جميع الفقهاء لا يعدو ثلاثة مواطن:
1 – القنوت في صلاة الفجر .
2 – القنوت في الركعة الأخيرة من الوتر .
3 – القنوت في جميع الصلوات في النوازل .
وأما القنوت عند الشافعية فهو في هذه المواطن الثلاثة على النحو التالي:
1 – بعد الاعتدال من الركعة الثانية في صلاة الفجر .
2 – في الركعة الأخيرة من الوتر بعد الاعتدال من الركوع، في النصف الثاني من شهر رمضان.
3 – بعد الاعتدال من الركعة الأخيرة، في جميع الصلوات، في النوازل .
على ما سنذكره في هذه المواطن من الضوابط والتفاصيل، ونبدأ أولا بالقنوت في صلاة الفجر، وهو ما نكتفي به لأنه المقصود من هذا البحث.
وهو ما اتفق عليه علماء الشافعية القائلين بسنيته، وممن قال بسنيته أيضا المالكية([5]) فيسن بعد القنوت بعد الاعتدال من الركعة الأخيره ويسن أن يجهر به الإمام على الأصح، إلا المنفرد والمأموم قطعا([6])
وقد استدل أصحابنا للقنوت في الفجر بما رواه أحمد، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، بأسانيد حسنة أو صحيحة، عن أنس رضي الله عنه، " أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على قاتلي بئر معونة، ثم ترك، فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا "([7])
وأصل الحديث في البخاري، ومسلم عن أنس، وصدره فيهما عن ابن عباس من طريق عاصم الأحول.
وقوله: ثم ترك، أي ترك لعنهم والدعاء عليهم، لا القنوت.
وروى البيهقي 2 /202 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقنت، وخلف عمر فقنت، وخلف عثمان فقنت "
لقد ذكرنا أن مذهبنا أن القنوت سنة في كل الصلوات عند النوازل، وأما في غير النوازل فهو سنة بعضيه من سنن صلاة الفجر، لا يترك لا سفرا ولا حضرا، وأن من تركه عمدا أو سهوا سجد للسهو.
وبهذا قال جماهير علماء الأمة .
قال الإمام الحازمي في (( الاعتبار)) ([8]) وقد اختلف الناس في القنوت في صلاة الصبح، فذهب أكثر الناس من الصحابة، والتابعين فيمن بعدهم من علماء الأمصار إلى إثبات القنوت، فممن روينا ذلك عنه.
أولاً من الصحابة :
الخلفاء الراشدون:
1- أبو بكر
2 - وعمر
3 - وعثمان
4 - وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ومن غير الخلفاء الراشدين:
5 - وعمار بن ياسر
6 - وأبي بن كعب
7 - وأبو موسى الأشعري
8 - وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
9 - وعبد الله بن عباس
10 - وأبو هريرة
11 - والبراء بن عازب
12 - وأنس بن مالك
13 - وأبو حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري
14 - وخُفَاف بن أِيماء بن رَمْضَةَ
15 - واهبان بن صيفي
16 - وسهل بن سعد الساعدي
17 - وعرفجة بن شريح الأشجعي
18 - ومعاوية بن أبي سفيان
19 - وعائشة الصديقة
ثانيا : ومن المخضرمين
1 - أبو رجاء العطاري
2 - وسويد بن غفلة
3 - وأبو عثمان الهندي
4 - وأبو رافع الصائغ.
ثالثا : ومن التابعين
1 - سعيد بن المسيب
2 - والحسن بن أبي الحسن
3 _- ومحمد بن سيرين
4 _-وأبان بن عثمان
5 - وقتادة
6 - وطاوس
7 - وعبيد بن عمير
8 - والربيع ابن خيثم
9 - وأيوب السختياني
10 - وعبدة السلماني
11 - وعروة بن الزبير
12 - وزياد بن عثمان
13 - وعبد الرحمن بن أبي ليلى
14 - وعمر بن عبد العزيز
15 - وحميد الطويل
رابعا : ومن الأئمة والفقهاء
1- أبو إسحاق
2- وأبو بكر بن محمد
3- والحكم بن عتبة
4- وحماد
5- ومالك بن أنس، وأهل الحجار
6- والأوزاعي، وأكثر أهل الشام
7- والشافعي وأصحابه .
8- وعن الثوري روايتان، وغير هؤلاء خلق كثير. اهـ .
وهو مذهب داود، والحسن بن صالح .
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم القنوت في صلاة الصبح، كأبي حنيفة وأصحابه وابن المبارك، وسفيان الثوري، وأحمد .
قال أحمد : الإمام يقنت إذا بعث الجيوش.
وقال إسحاق : يقنت للنازلة خاصة .
وهو قول عبد الله بن مسعود من الصحابة, وابن عمر.
كما أن هناك من يرى عدم ثبوته لحديث يستدل به وهو حديث رواه الترمذي برقم: 402، والنسائي 2/203 ـ 204، وغيرهما عن أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : قلت لأبي : يا أبتِ، قد صليتَ خلف رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليِّ بن أبي طالب، ها هنا في الكوفة خمس سنين، أكانوا يقنتون ؟ قال: أي بُنيَّ، مُحدَثٌ .
هذه رواية الترمذي، وقال بعدها : هذا حديث حسن صحيح، قال : وأبو مالك الأشجعي اسمه ” سعدُ بنُ طارق بن أَ شْيَمَ
فقد رد عليه بقوله: وأما الجواب عن حديث أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق : فهو أن الذين رووا القنوت وأثبتوه عندهم زيادة علم، وهم أكثر من الذين نفوه، فوجب تقديم روايتهم .
قال البيهقي في " السنن ": طارق بن أشيم الأشجعي لم يحفظه عمن صلى خلفه، فرآه محدثا، وقد حفظه غيره، فالحكم له دونه. اهـ .
ألفاظ القنوت:
وأما اللفظ المستحب في القنوت فهو: " اللهم اهدني فيمن هَدَيتَ، وعافني فيمن عافيت، وَتَوَلَّني فيمن تَوَلَّيْت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، فإنك تَقْضي ولا يُقْضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ من واليتَ، تباركتَ ربنا وتعاليتَ "
وهذا ما وردت به السنة الصحيحة، بإثبات الفاء في : "فإنك " والواو في : " وإنه " كما قاله النووي .
قال النووي في " المجموع "(1) :
وتقع هذه الالفاظ في كتب الفقه مغيرة، فاعتمد ما حققته، فإن الفاظ الأذكار يحافظ فيها على الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .اهـ
روى أبو داود 1425، 1426، والترمذي 464، والنسائي 3 /248 عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : " عَلَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولُهُن في الوِتْرِ : اللهم اهدني فيمن هَدَيتَ، وعافِني فيمن عافَيْتَ، وتَوَلَّني فيمن تَوَلَّيْتَ، وبارك لي فيما أعْطَيت، وقِنِي شَرَّ ما قضيتَ، فإنك تقضي ولا يُقْضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ، تباركتَ ربنا وتعاليت "
نتائج البحث
مما سبق يتبين مايلي:
أن القنوت سنة للأدلة التي ذكرت وليس بدعة كما يدعى, وأن الأحاديث التي استدل بها على عدم سنيته قد تم الرد عليها، كما أن من لم يرى سنيته قد رد على الأحاديث أيضا، فيتبين من هذا كله أن المساله خلافية ولكل وجهته فيما ذهب اليه وإليك نص كلام الإمام القرضاوي في هذا الشأن لنختم به هذا البحث حيث يقول: " رغم أني أرجح مذهب الحنابلة في المسألتين المذكورتين في السؤال، لأدلة لا مجال لذكرها هنا . أرى أن حدة الاختلاف على مثل هذه الأمور الاجتهادية لا تجوز . لأن الخلاف في مثل هذه القضايا يدور بين الجائز والأفضل، لا بين الجائر والممنوع، ولكل رأي فيها دليل ووجهة.
ولقد رووا عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الصبح بغير قنوت عندما زار بغداد، بلد الإمام أبي حنيفة وأصحابه، مراعاة لهم . وهو لون من أدب الأكابر حتى مع الموتى، ونظرتهم الواسعة السمحة إلى آراء المخالفين.
أما تعصب كل ذي مذهب لمذهبه، وإنكاره على مخالفيه في مثل هذه المسائل الاجتهادية، فليس هذا من شأن أهل العلم والتحقيق، ولا من أخلاق سلف هذه الأمة.
وإنما هو من شأن أهل الجهل والعصبية . ولا غرو إذا أنكره أكابر العلماء وأدانوه وخاصة من الحنابلة.
قال العلامة ابن الجوزي - وهو حنبلي - في كتاب " السر المصون ": " رأيت جماعة من المنتسبين إلى العلم يعملون عمل العوام. فإذا صلى الحنبلي في مسجد شافعي تعصب الشافعية، وإذا صلى الشافعي في مسجد حنبلي وجهر بالبسملة تعصب الحنابلة. وهذه مسالة اجتهادية " والعصبية فيها مجرد أهواء يمنع عنها العلم ".
وقال في شرح غاية المنتهى: " من أنكر شيئًا من مسائل الاجتهاد، فلجهله بمقام المجتهدين وعدم علمه بأنهم أسهروا أجفانهم، وبذلوا جهدهم ونفائس أوقاتهم في طلب الحق، وهم مأجورون لا محالة أخطأوا أو أصابوا، ومتبعهم ناج، لأن الله شرع لكل منهم ما أداه اليه اجتهاده، وجعله شرعًا مقررًا في نفس الأمر.
كما جعل الحل في الميتة للمضطر، وتحريمها على المختار، حكمين ثابتين في نفس الأمر للفريقين بالإجماع، فأي شيء غلب على ظن المجتهد، فهو حكم الله في حقه وحق من قلده ".
ونقل عن ابن تيمية في الفتاوى المصرية قوله مراعاة الائتلاف هي الحق، فيجهر بالبسملة أحيانًا لمصلحة راجحة، ويسوغ ترك الأفضل لتاليف القلوب، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت من خشية تنفيرهم.
نص الأئمة كأحمد على ذلك في البسملة ووصل الوتر وغيره مما فيه العدول من الأفضل إلى الجائز، مراعاة للائتلاف أو لتعريف السنة، أو أمثال ذلك.
ويشير بترك بناء البيت إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه لعائشة " لولا قومك حديثو عهد بجاهلية، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم ". (رواه البخاري).
وهذا العلامة ابن القيم يتحدث في " زاد المعاد " عن القنوت في صلاة الصبح، بين من أنكره مطلقًا - في النوازل وغيرها - واعتبره بدعة، وبين من استحبه مطلقًا في النوازل وغيرها، ويرجح أن هديه صلى الله عليه وسلم هو القنوت عند النوازل، كما دلت عليه الأحاديث، وأن هذا ما أخذ به فقهاء الحديث، فهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة. مع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفًا للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل ...الخ، بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن.
قال: وركن الاعتدال (أي من الركوع) محل للدعاء والثناء، وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم فيه . ودعاء القنوت ثناء ودعاء فهو أولي بهذا المحل . وإذا جهر به الإمام أحيانًا ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك.
فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة . ومن هذا أيضًا جهر الإمام بالتأمين.
" وهذا من الاختلاف المباح، الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه . وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهدات، وأنواع الآذان والإقامة، وأنواع النسك (يعني الحج) من الإفراد والقران والتمتع.
" وليس مقصدنا إلا ذكر هديه صلى الله عليه وسلم فإنه قبلة القصد، واليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مقدار التفتيش والطلب . وهذا شيء والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء . فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله . فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة، لم يدل ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة ولكن هديه أكمل الهدي وأفضله ". (زاد المعاد ج 1ص 144) ا. هـ.
وأكثر من ذلك أن للمأموم أن يصلي وراء إمامه، وإن رآه يفعل ما ينقض الوضوء، أو يبطل الصلاة في نظره هو - أي المأموم - مادام هذا سائغًا في مذهب الإمام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين ".
" وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا، كان بعضهم يصلي خلف بعض، مثلما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سرًا ولا جهرًا ".
" وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك :لا يتوضأ، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يُعد ".
" وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف. فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه ؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك ؟ قال: " وفي هذه المسالة صورتان ":إحداهما: الا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل صلاته، فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم.
الثانية: تيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده، مثل أن يمس ذكره، أو النساء لشهوة، أو يحتجم أو يفصد، أو يتقيأ، ثم يصلي بلا وضوء ـ فهذه فيها نزاع مشهور . وصحة صلاة المأموم هو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو قول آخر في مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وأكثر نصوص أحمد على هذا وهذا هو الصواب.
بعد هذا البيان نستطيع أن نقول للإمام صاحب السؤال: إنك لو تنازلت عن مذهبك في الجهر بالبسملة وقنوت الفجر من أجل الأكثرية التي تصلي خلفك من الحنابلة فلا جناح عليك .
وكذلك نقول لجماعة المأمومين خلفه من الحنابلة: إنكم إذا صليتم خلف إمام يخالفكم في هاتين المسالتين أو غيرهما، فلا حرج عليكم وقد نقلت عن أئمة الحنابلة خاصة ابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم، ما يريح الضمائر ويطمئن الخواطر .
والحمد لله رب العالمين.
والله أعلم
[1] - الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للأزهري فقرة 160 ص 99 .
[2] - رواه البخاري برقم: 1200، ومسلم [2]539
[3] - تحرير ألفاظ التنبيه ص /73 .
[4] - قاله ابن علان على الأذكار 2 /286.
[5] - فقه العبادات وأدلته على كذهب السادة المالكية205ــ 206للدكتورحسن زقّورــ دار التراث ــ الطبعة الأولى1425هـ 2004م
[6] - إخلاص الناوي ج1/146تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيتمي ج1/295.
[7] - حديث أنس رواه الإمام احمد وغيره, وقال ابن الصلاح: قد حكم بصحته غير واحد من الحفاظ منهم الحاكم والبلخي والبيهقي، وقال: والعمل بمقتضاه عن الخلفاء الاربعة ج2/34 نيل الأوطار للشوكاني.
[8] - كتاب الاعتبار للحازمي ص / 66
(1) سنن البيهقي2 / 213المجموع للإمام النووي 3 / 477
تعليقات
إرسال تعليق