كيفية صلاة العيدين
الفصل الثاني
صلاة العيدين
المبحث الأول
في كيفية صلاة العيدين
تمهيد
اتفق العلماء على مشروعية صلاة العيدين، ثم اختلفوا في حكمها؛ هل هي واجبة، أو غير ذلك، فقال أبو حنيفة: صلاة العيد واجبة، وقال مالك والشافعي: هي سنة مؤكدة، وقال أحمد: هي فرض على الكفاية([1]).
المسألة الأولى: النية.
صلاة العيدين كغيرها من الصلوات يلتزم فيها المصلي بيهئات الصلاة وأركانها، ويشترط فيها أن تسبق بالنية كسائر العبادات.
والنية لغة: القصد.
وشرعا: قصد الشيء مقترنا بفعله.
وهي هنا أن يقصد فعل صلاة العيدين لتتميز عن غيرها من العبادات، كما أجمعت الأمة على ذلك.
قال ابن المنذر وغيره: " وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم: أن الصلاة لا تجزىء إلا بنية ". ا هـ، هذا نص كلام ابن المنذر([2]).
فإن من صلى فرضا وجب عليه أن يقصد بصلاته فعل ذلك الفرض ويميزه عن غيره من الفروض من حيث صلاة الظهر أو العصر وغيرها وكذلك لتمييز الفريضة عن النافلة، والنافلة المطلقة عن ذات السبب، فالصلاة بالاتفاق مفتقرة في ابتدائها إلى النية، لقول الله عز وجل: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) [ البينة: 5 ] والإخلاص هو النية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ".([3])
المسألة الثانية: الذكر بعد تكبيرة الإحرام.
وهو دعاء الافتتاح الذي يقوله المصلي بعد تكبيرة الإحرام، وصلاة العيدين كغيرها من الصلوات في هذا، فيسن فيها أن يأتي المصلي بدعاء الافتتاح بعد تكبيرة الدخول في الصلاة، وقد خالف في ذلك بعض أهل العلم فقال: يأتي بدعاء الافتتاح بعد التكبيرات الزوائد.([4])
المسألة الثالثة: التكبير في صلاة العيدين.
وفيها الكلام عن عدد التكبيرات التي تكون قبل القراءة في ركعتي العيد، ورفع اليدين في التكبيرات، والذكر بين التكبيرات.
أولا: عدد التكبيرات التي تكون قبل القراءة في ركعتي العيد:
اختلف العلماء في عدد التكبيرات التي تكون قبل القراءة في صلاة العيدين على اثني عشر مذهبا،([5]).
والمشهور من مذاهب الفقهاء أن المصلي يكبر في الركعة الأولى: سبع تكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام من السجود.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيد سبعا وخمسا، في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة الإحرام للصلاة "([6]).
ثانيا: رفع اليدين في تكبيرات العيدين:
قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة بسنية رفع اليدين في التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين، فيرفع يديه في تكبيرة الإحرام، ويرفع يديه أيضا في التكبيرات الزوائد، وروي عن مالك وجهان: الأول موافق لجمهور الفقهاء، والثاني لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام، وهذا القول مروي أيضا عن سفيان الثوري، وعن أبي حنيفة أنه يرفع يديه في تكبيرة الإحرام والتكبيرات الزوائد ولا يرفع يديه في التكبير للركوع.([7])
روى البيهقي عن عبد الله بن عمر الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه ثم كبر وهما كذلك، وركع وإذا أراد أن يرفع رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه ثم قال سمع الله لمن حمده ثم يسجد ولا يرفع يديه في السجود ويرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته ".
وعن بكر بن سوادة: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيدين "، وعن عطاء قال: يرفع يديه في كل تكبيرة، ثم يمكث هنية ثم يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكبر، يعني في العيد". ([8])
وقد استدل الشافعي وغيره رضي الله عنهم أجمعين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه في تكبيرة الإحرام ورفع يديه قبل الركوع ورفعهما في الرفع من الركوع، وكل ذلك تكبير حال القيام فلم يجز إلا أن يقال برفع اليدين في تكبيرات العيد لأنها تكبير حال القيام، فكل من كَبَّرَ حال القيام رفع يديه استدلالا بالسنة.
يعني بذلك حديث أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه حذو منكبيه في افتتاح الصلاة، وعند الهوي إلى الركوع وعند الفراغ منه.
وقال أحمد بن حنبل: أما أنا فأرى أن الحديث يدخل في هذا كله. ([9])
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: يرفع الإمام يديه كلما كبر هذه التكبيرة الزيادة في صلاة الفطر؟ قال: نعم، ويرفع الناس أيضا([10])
هذا قول جمهور العلماء من سلف الأمة وتابعيهم، لم يخالف في ذلك إلا القليل النادر، بل إن من العلماء من نقل الإجماع على سنية رفع اليدين في تكبيرات العيد، والإجماع دليل شرعي مستقل متفق عليه بين الأئمة، ومعتبر عند من يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ من أهل العلم([11]).
ثالثا: الذكر بين التكبيرات:
أجمع أهل العلم على أن الذكر في ذاته مشروع، وأن ذكر الله عز وجل في أثناء الصلاة ليس من مبطلاتها.
والكلام هنا عن الذكر الوارد بين التكبيرات:
يسن لمن يصلي العيد أن يقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر([12]).
هذا قول أكثر أهل العلم، ومنهم من قال: يقول: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده الخير، وهو على كل شيء قدير )، وقال أبو نصر الصباغ: ( إن قال ما اعتاده الناس فحسن، وهو: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا ) والأمر في ذلك واسع، وفي ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نظر، وقاله بعض أهل العلم من غير ذكر الصلاة، وهذا الذكر لا يكون عقيب السابعة ولا الخامسة، ولا عقيب تكبيرة الافتتاح([13]).
هذا قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما.
ودليل ذلك ما رواه البيهقي في سننه: عن علقمة أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة رضي الله عنهم خرج إليهم الوليد بن عقبة قبل العيد، وقال لهم: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو، وتكبر، وتفعل مثل ذلك وتكبر، وتفعل مثل ذلك ثم تكبر، وتفعل مثل ذلك ثم تقرأ، وتركع، ثم تقوم فتكبر فتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك([14]).
وروى عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: يقوم الإمام فيكبر لاستفتاح الصلاة، ثم يمكث ساعة يدعو ويذكر في نفسه من غير أن يكون بلغهم قول معلوم، ولا من دعاء ولا من غيره، ثم يكبر الثانية ثم يمكث كذلك ساعة يدعو في نفسه ويكبر ثم كذلك بين كل تكبيرتين ساعة يدعو ويذكر في نفسه حتى يكبر ستا بتكبيرة الاستفتاح ثم يقرأ فإذا ختم كبر السابعة للركعة ثم قام في الثانية فإذا استوى قائما كبر، ثم مكث ساعة يدعو في نفسه ويذكر ثم يكبر الثانية ثم كذلك حتى يكبر خمسا قبل القراءة فإذا ختم كبر السادسة فتلك ثلاثة عشرة تكبيرة كلهن يكبر الامام وهو قائم قال ذلك غير مرة، ولا يحتسب في ذلك بتكبيرة السجود([15])
خالف في ذلك مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، فقال مالك: يقف بين كل تكبيرتين ولا يقرأ شيئا، وقال أبو حنيفة يوالي بين التكبيرات.
المسألة الرابعة: القراءة في صلاة العيدين:
صلاة العيدين كأي صلاة لا يجب قراءة آيات بعينها فيها وإنما يسن اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ بعد فاتحة الكتاب: سورة الجمعة في الركعة الأولى، والمنافقون في الركعة الثانية، وعنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قرأ في الركعة الأولى سورة: [ ق والقرءان المجيد ] في الركعة الأولى، وسورة القمر في الركعة الثانية، وأنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الأعلى في الركعة الأولى، وسورة الغاشية في الركعة الثانية.
ولا فرق بين أن يقرأ أي سورة، فمن فعل اقتدى بالسنة، وأثيب إن شاء الله، ومن لم يفعل فلا شيء عليه.
[1] - انظر الوسيط في المذهب 2/315، الوجيز في المذهب لأبي حامد الغزالي 1/ 200، البيان للعمراني 2/ 673، معين الأمة على معرفة الوفاق والخلاف بين الأئمة، ص 89، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص 59.
[2] - الإشراف على مذاهب العلماء 2/5، الإجماع ص 42، الأوسط في معرفة السنن والإجماع والخلاف 3/71، معين الأمة على معرفة الوفاق والخلاف بين الأئمة، ص 48، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص 28.
[3] - قليوبي وعميرة مطبوع بهامش شرح المحلي لمنهاج الطالبين 1/141، الوسيط في المذهب 2/87، البيان، 2/159، الوجيز في المذهب 1/ 162، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، 1/38، شرح مختصر التبريزي ص 86.
[5] - انظر هذه المذاهب في: الأوسط 4/273-279، اختلاف العلماء ص 58، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص: 59، ولم أذكر هذه المذاهب هنا خشية الإطالة.
[6] - رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التكبير في العيدين، وابن ماجه في الصلاة، باب ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب صلاة العيدين، باب التكبير في صلاة العيدين.
[7] - المجموع شرح المهذب 5/20-21، روضة الطالبين 1/579، شرح السنة 4/310، الجامع لأحكام القرآن 8/7310-7312، التاج والإكليل لمختصر خليل 2/195، رد المحتار على الدر المختار 1/561، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1/411، المغني 2/329، معين الأمة على معرفة الوفاق والخلاف بين الأئمة ص 90، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص 59 ، البيان 3/638، الإشراف على مذاهب العلماء 2/170 ، اختلاف العلماء ص 58، الأوسط في معرفة السنن والإجماع والخلاف 4/282.
[8] - السنن الكبرى للبيهقي كتاب صلاة العيدين، باب القراءة في العيدين، ورواه بإسناده أيضا ابن المنذر في الأوسط، 4/282.
[9] - معرفة السنن والآثار، 5/ 76،.الإشراف على مذاهب العلماء، 2/175، الأوسط في معرفة السنن والإجماع والخلاف، 4/282 ، البيان للعمراني 2/638، المغني 2/239..
وقول الإمام الشافعي رضي الله عنه استدلالا بالسنة، أي أنه واجب بدليل الأخبار الواردة فيه، ولا يعترض عليه بأن الأخبار الواردة ضعيفة، فإن الأئمة رضوان الله عليهم قدموا الحديث الضعيف على القياس وعملوا به إن لم يكن في الباب غيره كما سبقت الإشارة إليه في الكلام عن الحديث المرسل وحجيته عند العلماء.
[13] - روضة الطالبين 1/578-579، المجموع شرح المهذب 5/20، المغني لابن قدامة 1/241، شرح مشكل الوسيط لابن الصلاح، مطبوع بهامش الوسيط في المذهب 2/323 هامش رقم: (5)، البيان للعمراني 2/638.
وقد نقلته بتصرف يسير.
[14] - السنن الكبرى للبيهقي، كتاب صلاة العيدين، باب يأتي بدعاء الافتتاح عقيب تكبيرة الافتتاح، ثم يقف بين كل تكبيرتين يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
وانظر قول الحنفية في رد المحتار على الدر المختار 1/561، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1/411، وااللباب في شرح الكتاب 1/118.
قال في شرح الكتاب: "ولم يرد فيه ذكر مسنون" أي أن الأمر فيه سعة.
[15] - رواه عبد الرزاق في المصنف، كتاب صلاة العيدين، باب كم بين كل تكبيرتين، وقوله: " من غير أن يكون بلغهم قول معلوم، ولا من دعاء ولا من غيره" يعني به أنه لم يرد نص في دعاء أو ذكر معين يقال في هذه الحالة بل الأمر متسع كما سبق بيانه.
تعليقات
إرسال تعليق