أحكام صلاة العيدين 1


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
     الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد.
فقد ظهر كلام بين بعض الدعاة حفظهم الله تعالى عن خلاف حول أحكام صلاة العيدين من حيث الخطبة، وأركان الصلاة وهيئاتها؛ الأمر الذي دعاني لكتابة هذا البحث، سائلا الله تعالى أن ينفعني وإياهم به.
وموضوعه:
أحكام صلاة العيدين
ويشتمل هذا البحث على مقدمة وفصلين.
أبين في المقدمة السبب الذي دعاني لاختيار الموضوع، كما أذكر أدلة المخالفين في هذا الشأن، ما ذكره منها الخصم، وشيئا مما لم يذكرها رادا عليها.
الفصل الأول: أتكلم فيه باختصار عن الحديث الضعيف، واستدلال الفقهاء به والعمل به، مع ذكر أمثلة من المذاهب الأربعة على ما أقول.
الفصل الثاني: في صلاة العيدين وفيه مباحث:
المبحث الأول: كيفية صلاة العيد، وفي هذا المبحث مسائل:
1-             المسألة الأولى: النية.
2-             المسألة الثانية: الذكر بعد تكبيرة الإحرام.
3-             المسألة الثالثة: التكبير في الصلاة ورفع اليدين فيه، والذكر بين التكبيرات.
4-             المسألة الرابعة: ما يقرأ في صلاة العيدين.
المبحث الثاني: في خطبة العيد، وفيه مسائل:
1-             المسألة الأولى: في افتتاح الخطبة.
2-             المسألة الثانية: في خطبة العيد، هل هي واحدة أم اثنتين.
الفصل الثالث: أتكلم فيه عن معنى البدعة.
وفي هذه المسائل أذكر الإجماع إن نص عليه أحد الفقهاء، والخلاف إن وجد، ناقلا له من كتب المذاهب المعتبرة، وأقوال أئمة الأمة، معتنيا بالإشارة إلى الإجماع والخلاف، غير أني لا ألتزم بذكر نصوص العلماء، وإنما أجمع بينها وأنقلها بمعناها، وقد أنقلها بنصوصها.
كما أنني لا أستوعب الكلام عن صلاة العيدين وإنما أذكر ما دار النقاش حوله فقط لضيق الوقت.
راجيا من الله عز وجل التوفيق لطاعته في السر والعلن، والقبول للعمل؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


















تمهيد:
قال بعضهم: إن خطبة العيد هي خطبة واحدة لا اثنتين، وأن صلاة العيدين لا رفع فيها لليدين في التكبير الذي يكون في الركعتين الأولى والثانية، وأن الذكر بين التكبيرات لم يرد.
وذكر أدلته فكانت: حديثا رواه الإمام البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء فأمرهن بالصدقة، فجعلن يلقين: تلقي المرأة خرصها وسخابها... الحديث، وله روايات أخرى في كتب السنة.([1]) وذكر أن حديث جابر بن عبد الله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد قعدة ثم قام، - ضعيف([2]) وأحالني على كتابي فقه السنة للشيخ سيد سابق رحمه الله، وكتاب أخطاء الناس في العبادات لمحمود المصري.
فأما كلام الشيخ سيد سابق فهو: " وكل ما ورد أن للعيد خطبتين يفصل بينهما الإمام بجلوس فهو ضعيف، قال النووي: لم يثبت في تكرير الخطبة شيء، ويستحب افتتاح الخطبة بحمد الله تعالى، ولم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذلك، قال ابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير"([3]). اهـ
ولا يخفى على اللبيب أن كلام الشيخ سيد سابق رحمه الله تعالى ليس فيه ما يدل على أنه كان يقول بأن خطبة العيد خطبة واحدة، بل إن كلامه رحمه الله ما يدل على خلاف ذلك؛ فقد نقل قول ابن القيم: " ولم يحفظ في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير " ثم لم يتعقب الشيخ رحمه الله بالرد، كما أنه لما نقل قول الإمام النووي: عن عدم ثبوت شيء في كون خطبة العيد خطبتين لم ينقل بقية قوله، ولا أتهم الشيخ سيد سابق هنا باجتزاء النص فقد أفاد رحمه الله، ولكن القارئ الكريم لم يفهم كلام الشيخ فالعيب في فهمه لا في كلام الشيخ.
وسأنقل قول الإمام النووي إن شاء الله بتمامه عند الحديث عن أحكام صلاة العيدين.
أما محمود المصري فقال:([4])
أخطاء في صيغة التكبير: (( ولقد شاع وانتشر بين المصلين صيغة التكبير التي ليس لها أصل من السنة في يوم العيد كقولهم: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.. نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.. إلى آخره.فهذا التكبير مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم... الخ كلامه في الكتاب )).
ويجاب عن هذا بسؤال: متى كانت الأذكار توقيفية؟[5] ومن قال بهذا من أهل العلم؟ إنما قال أصحاب هذه النحلة هذا القول بناء على أصل فاسد، وهو أن كل ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، ولم يقل به إلا قليل من أهل العلم، وقد بان فساد هذا القول في الكلام عن البدعة ومعناها، فانظره، ثم إن الروايات التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشان مختلفة في تكبيرات العيد وألفاظ التلبية، وغيرها، بل وورد أن من الصحابة من فعل غير ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزم غير هذه الأذكار ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجاب هنا بأن ذلك يجعل منه سنة تقريرية لأن الخبر فيه ما يدل على الإذن إذ لو لم يكن معلوما لدى الصحابة رضوان الله عليهم الإذن في مثل هذا ما فعلوه.
ومما قاله أيضا ولا مجال لنقله كله: بدعية المناداة بالصلاة جامعة، ونقل من شرح مسلم للنووي أن ليس بسنة، كما نقل أن هذا هو مذهب الشافعي، وأن الحنابلة يقولون بخلافه.
ويجاب عنه بأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد فمحاولة تخطئة الشافعية نصرة للحنابلة لا مسوغ له، والمعروف أنه وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فلا مانع من فعله، فالترك ليس دليلا على التحريم.
وقال في رفع اليدين في التكبير نقلا عن الشيخ الألباني: " قوله في التكبير: يسن... رفع اليدين مع كل تكبيرة. قلت: الصواب أن يقال: لا يسن ذلك؛ لأنه لم يثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، وكونه روي عن عمر وابنه لا يجعله سنة، لا سيما أن رواية عمر وابنه ههنا لا تصح، أما عن عمر فرواه البيهقي بإسناد ضعيف، وأما ابنه فلم أقف عليها الآن، وقد قال مالك: لم أسمع فيها شيئا " وعزا كلامه للإرواء ص 640.
ويجاب عن ذلك بأمور: أن الشيخ الألباني جمع بين تضعيف الرواية عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما، ثم قال بأنه لم يقف على رواية ابن عمر، وهو تناقض واضح، فلعله سها حين كتب.
وقد روى البيهقي الحديث كما قال، ولكن رواه أيضا عبد الرزاق في المصنف، وابن المنذر في الأوسط وهو مروي عن عطاء وابن جريج، بطرق مختلفة، فانظر ذلك عند الكلام على التكبير في صلاة العيدين من هذا البحث.
أما قوله ففعل عمر وابنه لا يجعله سنة: فهو من أعجب الأمور، فمن يكون فعله سنة إذن عند عدم ورود الفعل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد ورد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير رواية: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ))  وقد أخذ العلماء سلفهم وخلفهم بفعل فقهاء التابعين وفتاويهم إن لم يكن في الباب شيء عن رسول الله ولا صحابته، فما بالك بفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي اتفق العلماء على أنها أدلة شرعية فلعل الشيخ الألباني يرى أن فعل عمر ليس بحجة، مخالفا ـ أي الشيخ الألباني ـ في قوله ـ كعادته ـ جماهير السلف والخلف، ففعل الصحابي وقوله ـ مما لا مجال للاجتهاد فيه كالعبادات وأركانها وهيآتها ـ سنة، وفعله بانفراده حجة عند جمع من العلماء، واتفاق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على فعل شيء يعد دليلا شرعيا مستقلا، وفعل الصحابي وقوله يستدل به على أحكام الشرع إن لم يرد خلافه عن غيره من الصحابة.([6])
أما قول مالك: لم أسمع فيه شيئا، فهو قول مالك رضي الله عنه بانفراده، وخالف فيه جمهور العلماء الشافعية والمالكية والحنابلة، وانظر ذلك في هذا البحث أيضا.
" جعل خطبة العيد خطبتين: وهذا خطأ شديد؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجلس في أثناء خطبة العيد ( كيوم الجمعة ).
( قال ) النووي في الخلاصة: ( وما روي ) عن ابن مسعود أنه قال: السنة أن يخطب في العيد بخطبتين بفصل بينهما بجلوس ( ضعيف ) غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء ـ وذكر في الحاشية أنه نقل كلام النووي من فتح القدير  ـ ثم قال: قال جابر: " شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن " وهذا دليل واضح على أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب في العيد إلا خطبة واحدة ولم يجلس أثناءها. اهـ
وناهيك عن ركاكة الأسلوب، فلا ينقل كلام النووي من كتاب غيره؛ لا سيما وكتب النووي رضي الله عنه متاحة، ومذهبه ينقل من كتبه كالمجموع والروضة ومنهاج الطالبين والتحقيق، وشرح الوسيط، وشرح مسلم.
كما أن الخلاصة من تآليف الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه وليس الإمام النووي، وهي اختصار لكتاب مختصر المزني، الذي اختصره من كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه.
ثم إن نقل كلام النووي هكذا فيه إيهام للقارئ أنه كان يقول بأن خطبة العيد خطبة واحدة، وهو ما لم يقل به سني أصلا، وفي هذا البحث ما تقر به الأعين من نقول عن الإمام النووي من مؤلفاته هو، أنه كان يقول بأن خطبة العيد خطبتين، وكذلك عن الإمام الغزالي أيضا.
ثم في استشهاده بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ الذي ذكر آنفا ـ استدلال في غير محله، فليس في الحديث أصلا أنه خطب خطبة واحدة، بل فيه أنه خطب العيد فقط، ولم يذكر فيه أنه خطب خطبة واحدة او اثنتين، بل هو محتمل لهذا وذلك، ولا اتخاذ لأحد المعنيين إلا بقرينة، فأين القرينة لدى المستدل بالحديث على ما ذهب إليه؟!
لكن لدى أهل الحق القرينة وهي اتفاق سلف الأمة وخلفها على خلاف ما فهمه.
وغيرها من المسائل التي أثيرت في ذلك الكتاب، مما لا داعي لمناقشتها هنا؛ ففي البحث كفاية إن شاء الله.
يتبع إن شاء الله



[1]- الحديث رواه البخاري في صحيحه: كتاب صلاة العيدين، باب الخطبة بعد الصلاة، ومسلم في كتاب صلاة العيدين، ورواه أيضا أبو داود، والترمذي بنحوه ولم يذكر فيه الخطبة، كلهم عن ابن عباس رضي الله عنه.
[2] - حديث جابر بن عبد الله، رواه النسائي في سننه عن سماك قال: سألت جابرا، أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد قعدة ثم يقوم، ورواه ابن ماجه، في كتاب الصلاة  باب ما جاء في الخطبة في العيدين.
[3] - فقه السنة، الشيخ سيد سابق 1 /232.
[4] - إرشاد السالكين إلى أخطاء المصلين ص 201-208.
[5] - معنى التوقيفية: أن يتوقف في قولها على وجود دليل، وهو ما لم يذكر عن أحد من أهل العلم.
[6] - وكثيرا ما يشير إلى ذلك ابن رشد في بداية المجتهد في غير موضع بألفاظ مختلفة. من هذه المواضع: 1/172، 173، وفي كتب الأصول أبواب بوبت لفعل الصحابي وحجيته، ومصنفات ألفت في حجية عمل الصحابي، ويكفي المطلع أن يبحث في أي فهرس لأي كتاب من كتب أصول الفقه ليطلع على ذلك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحديث الضعيف واحتجاج العلماء به

كيفية صلاة العيدين

هل بات القنوت مشكلة؟؟