البدعة
البدعة
البدعة في اللغة: المحدث من الأمور، يقال: بدع الشيء أي أنشأه واستخرجه على غير مثال سابق، ومنه قول الله عز وجل: [ قل ما كنت بدعا من الرسل ] أي لم أكن أول من أرسل إلى أهل الأرض حتى تكذبوني؛ فقد بعث قبلي أنبياء كثير ([1]).
واصطلاحا: إحداث ما لم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مما فعله، أو أقر عليه، أو علم من قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه، سميت بذلك لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام.([2])
شرح التعريف:
قوله: ( إحداث ): ليخرج ما أمرت به الشريعة مما ليس من المحدثات.
وقوله: ( ما لم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ): إخراج لما كان موجودا في عصره صلى الله عليه وسلم مما أقره النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ( مما فعله أو أقر عليه ): إخراج لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو أقر عليه، فما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو أقر عليه يعد سنة إما يجب فعلها أو يندب، أو حتى يباح.
وقوله: ( أو علم من قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه ): إخراج لما علم من قواعد الشريعة إيجابه أو ندبه أو كان مما لا يدخل تحت الإيجاب ولا الندب فيسمى مباحا.
وعليه: فتعريف البدعة يدور حول المحدث في الدين، ولذا يغلب استعمال لفظها في الإطلاق على ما يحدث في الدين ـ كما سبق الإشارة إليه ـ فيقال مثلا: بدع الرفض والقدرية، وغيرها من البدع، ويغلب استعمالها في الذم كما يقال: فلان صاحب بدعة، أي: أنه رجل ذميم مبتدع في الدين، أو أنه متبع لبدعة.
معنى المبتدع:
هو من أحدث في أصول الدين، كالرفض، والخارجية، والقدر، والقول بقول الكرامية والتشبيه، والتجسيم، والحلول، وغيرها من البدع، أو اعتقد ما يكفر أو يفسق، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكس ما هو معلوم من الدين بالضرورة، والمتتبع لكلام العلماء رضوان الله عليهم لا يجد تسمية للبدعة إلا هكذا،" لكن ينبغي التثبت مما يرمى به المبتدع، وألا نسرع بتكفيره، خلافا لما درج عليه كثير من المبتدعة في الأعصر الخالية، وفي زماننا هذا، فقد تهوكوا في رمي المسلمين بالكفر والشرك لمجرد الأوهام والخيالات "،هذه الأوهام والخيالات التي سمعناها من بعضهم يبدع ما اتفق الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك عليه، أوقال به إمام من الأئمة، وما قال بأنه بدعة إلا لأنه جهل بقول ذلك الإمام([3])
أقسام البدعة
بداية أشير إلى أن كثيرا من الناس يظن أن القول بتقسيم البدعة قول ضعيف، وأن أكثر السلف على غير ذلك، بينما لم يقل بأن كل بدعة ضلالة إلا اثنين من العلماء، أبو إسحاق الشاطبي، وابن تيمية، أما بقية العلماء فمتفقون على أن البدعة تنقسم إلى بدعة حسنة وبدعة قبيحة، وممن قال ذلك: الطبري، الشافعي، والبيهقي، والخطابي، والعز بن عبد السلام، والنووي، وابن الأثير، وابن حجرالعسقلاني، وابن رجب الحنبلي، وأبو شامة المقدسي، وعبد الحي اللكنوي، وعبد القاهر التميمي البغدادي، والسيوطي، وغيرهم ممن تكلم في البدع بخصوصها، أما من يفهم من كلامهم تأييدهم لهذا المبدأ فهم أكثر من ذلك، منهم ابن رشد، والبيضاوي، والقرطبي، وابن الصلاح، وفي هذا الفصل نقول عن هؤلاء العلماء.
تقسم البدعة عموما بطريقتين
الأولى تقسيم البدعة باعتبار ذاتها، والثانية: تقسيمها باعتبار حكمها
تقسيم البدعة باعتبار ذاتها
تنقسم البدعة باعتبار ذاتها إلى: بدعة حسنة، وبدعة قبيحة.
وتنقسم باعتبار حكمها إلى: الأحكام الخمسة، فقد تكون واجبة، وقد تكون محرمة، وقد تكون مندوبة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مباحة.
أولا: تقسيم البدعة باعتبار ذاتها.
البدعة الحسنة: هي بدعة الهدى، وهي ما شهد لها أصل في الشرع، فتقع تحت عموم ما ندب إليه الله تعالى، وحض عليه الشرع الشريف، أو كان مما اقتضته المصلحة، وذلك مثل: أفعال المعروف التي لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كبناء الربط والمدراس، وكذلك جمع القرآن، وجمع الناس من أجل قيام رمضان، ويطلق عليها مسمى البدعة من حيث أنها لغة تسمى بدعة، لأن المدلول اللغوي أوسع في شموله من التعريف الاصطلاحي، كما سلف في تعريفها لغة بأنها المحدث من الأمور، فهذا المحدث قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا، فقد تعني عند إطلاقها المدح كما قد تعني الذم لأن اللفظ يحتملها، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى الناس مجتمعين على قيام رمضان: ( نعمت البدعة هذه ) مادحا لاجتماع الناس وليس ذما لهم، لأن فعلهم هذا كان داخلا تحت عموم آية أو حديث نبوي لأن فعلهم مشروع باعتبار نوعه.([4])
والبدعة القبيحة: هي بدعة الضلالة التي حذر الشرع منها، وهي ما عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ( وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) فمعنى البدعة في هذه الأحاديث هو: معنى الذم الذي يقصد به ذم من خالف الشرع.
* أما الأدلة على ذلك فهي من الكتاب والسنة والمعقول كما يأتي ذكرها:
1- يقول الله تعالى: [ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ].([5])
وجه الدلالة من الآية: أن الله عز وجل تكلم عن طائفة من أهل الكتاب من أتباع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وأن أهل هذه الطائفة عبدوا الله عز وجل ثم اجتهدوا في عبادته سبحانه وتعالى، وكان من اجتهادهم أن زهدوا في الدنيا وزينتها، فترهبنوا وسكنوا بعيدا عن الناس، فلم يذمهم الله عز وجل على ذلك، بل غاية الأمر أن طائفة منهم قصرت في ما فرضته على نفسها من فعل الخير، ولم تلتزم به فذمهم الله عز وجل على ما قصروا فيه وما أهملوه ولم يراعوه حق الرعاية، أما من التزم منهم فآتاه الله أجره، ثم ذم الله تعالى الفاسقين منهم الذين لم يراعوا الرهبانية حق الرعاية.
فعدم ذم الله تعالى لهم على ما أحدثوه: دليل على أن المحدث من الخير لا شيء فيه، وأنه خير ويثاب فاعله، ولا يقتضي ذم من أحدثه ولا من اقتدى به، ولهذا قال بعض العلماء في تفسير هذه الآية: وفيها دليل على أنه ينبغي لمن أحدث شيئا من أمور الخير أن يداوم عليه؛ لأن الله عز وجل قد عاب بني إسرائيل على تركهم ما ابتدعوه من الخير فلم يداوموا عليه.([6])
2- عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )([7])
وفي الحديث استحباب ابتداء الخيرات، واستحداثها بعد أن لم تكن، لا سيما وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكر أن الجزاء مترتب على حدوث هذا الخير، وأن ثواب من اقتدى بمحدث الخير يؤدي إلى وصول ثواب يماثله إلى محدثه من غير ان ينقص من أوزارهم شيء([8]).
بل وقد ساوى الله عز وجل في الأجر بين من سن سنة حسنة وبين من أحيا سنة قد أميتت بعده.
فعن كثير بن عبد الله بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي؛ كان له من الأجر مثل من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ).([9])
3 – قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى الناس مجتمعين على صلاة قيام رمضان لما أمر أبي بن كعب أن يصلي بهم: ( نعمت البدعة هذه )([10]) وذلك لأنه رأى المسلمين متفرقين في صلاة قيام رمضان؛ فجمعهم على أبي بن كعب، وهو أمر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لم يفعله أبوبكر رضي الله عنه، وإنما كان عمر من جمع الناس لذلك، وأطلق عليها مسمى البدعة وقال عنها لما رأى المسلمين مجتمعين على الصلاة وأعجبه هذا: نعمت البدعة كناية عن حسنها([11]).
4- قال ابن رشد: " إن الطرق التي منها تلقيت الأحكام عن النبي صلى الله عليه وسلم بالجنس ثلاثة، إما لفظ، وإما فعل، وإما إقرار، وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام، فقال الجمهور: إن طريق الوقوف عليه هو القياس، وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل، وما سكت عنه الشارع فلا حكم له ([12]) ودليل العقل يشهد بثبوته ـ أي القياس ـ وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص، والأفعال والإقرارات غير متناهية، ومحال أن يقابل ما يتناهى بما لا يتناهى"([13]) فلا يقال بأن كل محدثة بدعة لمجرد عدم ورودها في الشرع.
تقسيم البدعة باعتبار حكمها
من المعروف أن حوادث الناس لا تتناهى، ومسائلهم لا تنتهي، وكل يوم يحدث الناس معاملة أو شيئا جديدا، فما لايتناهى لا يمكن الحكم عليه بما يتناهى؛ فيحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي لهذه المسائل.
والطريق إلى معرفة الحكم الشرعي لكل مسألة من المسائل أن تعرض على أحكام الشريعة فما كان حكمه الوجوب، كأمر اقتضته مصلحة أو دفع مفسدة، أو غير ذلك حكم بوجوبه، أو كان ابتداعا في دين الله عز وجل بما لم يأذن به الله، وذلك كمن أوجب مسح الرجلين بدلا من غسلهما ، ونحو ذلك مثلا؛ حكم بحرمته وتبديع من فعله.([14])
وعلى ذلك: فالبدعة تعتريها الأحكام الخمسة، فقد تكون البدعة واجبة، كما قد تكون محرمة، وقد تكون مندوبة، وقد تكون مكروهة،كما قد تكون مباحة.
فالبدعة الواجبة: مثل جمع القرآن في مصحف واحد، وتعلم علم النحو الذي يحفظ به اللسان العربي، وبه تتم معرفة معاني كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة وغيرهم من أهل البدع؛ لأن في هذا كله حفظ للشريعة.
وحفظ الشريعة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والبدع المحرمة: مثل بدع الرفض والاعتزال والقدر، ونحو ذلك، وقد سبق الكلام على أن الرد عليهم واجب.
والبدع المندوبة: مثل كتابة المصاحف، وإنشاء المساجد، والربط ونحو ذلك من وجوه البر والإحسان التي لم تكن في العصر الأول، إن قصد بهذا وجه الله تعالى.
والبدع المكروهة: كزخرفة المساجد وتزيين المصاحف وغير ذلك.
والبدع المباحة: كالتوسع في لذيذ المطعوم والمشروب ونحو ذلك.
وجمعا بين هذا التقسيم وسابقه يمكن القول بأن البدعة الواجبة والمندوبة والمباحة تكون بدعة حسنة، وأن البدع المكروهة والمحرمة تكون بدعة قبيحة، وبالله التوفيق.([15])
ذكر بعض من أدلة المخالفين والرد عليها
خالف الإمام أبي إسحق الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ هذا التقسيم، وتبعه على هذا بعض المعاصرين، فقالوا: كل بدعة ضلالة.
وقد استدل المخالف بأحاديث منها:
- قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإياكم ومحدثات الأمور، وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )([16]).
- وقوله في الحديث الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ).([17])
واعتبر بأن هذا الفعل المحدث لا خير فيه وأن من يفعله فإنما يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ كل الدين، أو أن الله عز وجل لم يكمل الدين لهذه الأمة، فيكون فعله هذا تشريعا لما لم يأذن به الله وافتراء على الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
- كما استدل بعض المعاصرين على مذهبهم هذا بأن الفعل لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وبالتالي فلا يجوز فعله، لكونه محدثا، كما أن فاعله واقع في تشريع دين لم يأذن به الله.
ورد الشاطبي على الاستدلال بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن مراد عمر بن الخطاب هنا هو البدعة اللغوية لا الشرعية، وأن فعل عمر هنا في جمع الناس على صلاة القيام هو ما اقتضته المصلحة، وجعل المصلحة هي الأصل في هذا الباب، فما اتضته مصلحة الناس جاز استحداث الأمور فيه([18]).
- ويجاب عن الأحاديث بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة )([19]) وقد سبق الكلام على هذا الحديث عند عرض الأدلة على تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة، كما أن الأحاديث التي ذكرها المخالف هي من باب العام المخصوص، فهو حديث عام يقول بأن كل محدثة بدعة، فتكون محرمة، ولكن خصصته الأحاديث النبوية والآثار التي وردت عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فمراد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: أن كل محدث مخالف لقواعد الشرع فهو مردود على صاحبه مع ترتب الإثم على فعله، وهو ما أكده قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ما ليس منه، أي ما ليس على قواعده، فمن أحدث محدثا موافقا لقواعد الشرع فليس بمردود.([20])
- وأما قولهم بأن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يقع في عصره صلى الله عليه وسلم فهو محدث، فيجاب عليه بأن التحريم إنما يستفاد من أحد أمور:
* إما أن يدل الشرع على تحريمه فيأتي الدليل الشرعي صراحة بحرمة هذا الفعل، كما في قوله تعالى: ( ولا تقربوا الزنى ).
* أو يفهم من خطاب الله تعالى تحريمه كما في قول الله عز وجل في تحريم الخمر: ( فهل أنتم منتهون )
* أو يكون هذا الفعل مخالفا لشريعة الله عز وجل أو ما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك كزيادة عضو في الوضوء أوتغيير صفة مغسول لممسوح أو العكس، فيكون هذا الفعل محرما أو مكروها.
أما تحريم ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فقط لأن رسول الله لم يفعله، فهو ما لا دليل عليه، لا سيما وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أقسام الشريعة فقال: ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ) فرسول الله صلى الله عليه وسلم بين لنا أن الشرع إما مأمور به أو منهي عنه وما سوى ذلك فهو عفو، ولا يلحق هذا بأي من القسمين السابقين إلا بدليل، والأصل في الأشياء الحل حتى تثبت الحرمة، وهي لم تثبت، وقد قال الحافظ بن حجر رضي الله عنه: أن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله([21]).
فالتكاليف الشرعية لا تستفاد إلا من جهة الأمر والنهي؛ ولذلك: أوجب الله عز وجل على الأمة اتباع أمره ونهيه، ولم يأمرها باتباع أو اجتناب ما لم يرد فيه نص.([22])
* ويجاب عن استدلاله بأن قول عمر رضي الله عنه نعمت البدعة هذه بأن البدعة في هذا الحديث يقصد بها اللغوية لا الشرعية: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عندما فهموا الدين فهموه شرعا لا لغة، وكذلك كان كلامهم في أمور الدين كلها إنما كان على سبيل الشرع لا اللغة، كما أنه لم يقم دليل على أن عمر رضي الله عنه أراد بقوله: ( نعمت البدعة هذه ) البدعة اللغوية لا الشرعية، فقولهم بأن المراد بكلامه البدعة اللغوية فقط تعسف، وكلام لا دليل عليه، وقد تكلم عمر رضي الله عنه بما فهمه من الشرع ففهمه وقوله حجة؛ لا سيما وأن فهم الصحابي وفعله حجة عند جمع من العلماء, وقد قال عمر: نعمت البدعة فعنى بها البدعة الشرعية التي قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة، وقد عد فعله هذا من البدعة الحسنة.
وسبقت الإشارة إلى معنى المبتدع ومن هو، ولذلك رد أهل الحديث رواية المبتدعة كرواية الرافضي والقدري وغيرهم، ولم نسمع يوما أن الشافعي بدع أباحنيفة ـ رضي الله عنهما وعن جميع العلماء ـ لخلافه الفقهي معه، ولم ينقل أبدا أن محمد بن الحسن الشيباني، وأبا يوسف بدعا الشافعي لخلافهما معه في رأي، بل وسعهم ذلك، والعجب ممن يبدعهما بلا علم ويقول أن فعل مثلهما بدعة، وهو ما وقع للأسف من كثير ممن ينسب نفسه للعلم، فصنف كتبا جمع فيها بدعا في العبادات والمعاملات، ما من مسألة فيها إلا وهي قول لإمام من الأئمة، بل منها أمور اتفق عليها الأئمة؛ لأنه لم يفهم أدلتهم، ولم يطلع على أقوالهم، وسول له تصوره أن هذا فعل عامة الناس لا فعل المجتهدين، وهجم على الكتاب والسنة فأخذ منهما ما استنتجه بفهمه السقيم وجعله دينا ينشره على الناس، وكأن المسلمون ملزمون بالتحاكم إلى فهمه، وكأنه معصوم، مدعيا أن ما قاله هو السنة، والسنة منه براء.
وقد علم من فعل بعض هذه الطائفة في التحريم للمستحدثات من الأمور الأشياء العجيبة، فبعضهم حرم استعمال مكبرات الصوت في أول استحداثها بدعوى أنها بدعة، وبعضهم حرم الهواتف، وبعضهم إلى زمننا هذا يحرم استعمال الكهرباء في بيته بدعوى أنها محدثة، وأن رسول الله صلوات الله وتسليماته عليه كان يستعمل السراج، وليس في الكهرباء سراج بل هي محدث([23]).
وليس الكلام هنا بصدد هذه الأقاويل، بل بصدد مناقشة كلامهم، والرد عليه بحسب توفيق الله عز وجل، حيث أنهم غالوا في إطلاق مسمى البدعة على كثير من الأشياء وألفت فيها كتب فتجد كتبا في بدع العقيدة، وأخرى في العبادات([24])، وأخرى في المعاملات.
وقد رمت هذه الطائفة أهل الحق زورا قائلين: طالما أنهم يقولون بأن البدعة حسنة وقبيحة فلابد أنهم يحلون كل محدث، وأنهم بهذا يكونون مبتدعة، وأشاعوا هذا القول كذبا وبهتانا، ولعلهم جهلوا أن أهل الحق إنما يعرضون المسألة المحدثة على قواعد الشرع، فما كان موافقا للشرع قالوا بحله، وما كان مخالفا له حكموا بحرمته أو كراهته، هذا ما يلتزمه أهل العلم في هذه المسألة.
ولو أراد المنصف عرض مذهبهم على كلامهم من حيث الحكم بحل المحدثات وحرمتها لوجد أنهم حكموا بحل كثير من المحدثات التي توجد في عصرنا هذا، ولم يقترب أحدهم من القول بكراهتها فضلا عن تحريمها، لأنهم فقط قالوا بحرمة ما نفعله لأن ما نفعله هو ليس ما يفعلونه، وأن الحق معهم حتى ولو جهلوا الحكم فالحق هو ما هم عليه فقط، وإن كان بلا دليل.
ولأضرب مثالا في التفرقة بين أهل الحق وبينهم في حالتين من المحدثات: أحدهما: الساعة، والثاني: الحشيش.
أما الأولى: فالساعة، وهي محدثة عند كل العقلاء فلم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه الراشدين رضي الله عنهم فهم قالوا بحلها؛ لأن المصلحة تقتضي وجودها، ولو عرضوها على مذهبهم لحكموا ببدعيتها، ولكن العلماء قالوا: هذه الساعة تستخدم في تحديد الأوقات، وبها تنضبط المواعيد، وبالتالي تعرف بها مواقيت الناس لا سيما مواقيت الصلاة وهي أشرف ما تستعمل فيه الساعات، لذا حكم بحلها بل بوجوب وجودها، لأن بمثلها ينضبط إيقاع الحياة وتنتظم، وهذا من الإسلام، فلم يفت القائلون بأن كل محدثة بدعة بحرمة ساعة اليد، ولا يقول بهذا عاقل أصلا.
وأما الثاني: فهو الحشيش: وهو أيضا محدث لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من صحابته رضي الله عنهم، ولكن العلماء كما نظروا في ماهية الساعة نظروا في ماهية الحشيش أيضا فوجدوا الحشيش مغيب للعقل؛ فاجتمع هو والخمر في هذه الخاصية، وقد نهى الإسلام عن كل ما يغيب العقل، فحكموا بحرمة الحشيش، ولم يقل أحد من العلماء بحله مطلقا لا في القديم ولا في الحديث.
فلو أن أهل الحق يُحِلُّونَ كل محدث كما يدعي الخصم، لقالوا بحل الحشيش وهو ما لم يقل به عاقل فضلا عن عالم.
وعلى هذا يقاس غيره، فكل محدث في هذه الدنيا ينظر في حاله وما هي مؤثراته التي تحدث على من يقترب منه وما هي منافعه، فلو كان نافعا وصالحا حكم بحله، وما كان ضارا حكم بحرمته أو كراهته، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على عهده هذه الثياب التي يرتديها الناس في عصرنا هذا بتفاصيلها هذه، من قمص، وسراويل ذات تصميمات مختلفة، وغيرها مما يطول بذكره المقام هنا.
فكل هذا لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من صحابته رضي الله عنهم بل هو من المحدثات التي حدثت بعد عصرهم، ولم يحكم بحرمتها فقط لكونها محدثة، بل ينظر لكل لباس منها على حدة وكل تصميم منها له حكمه.
فاللباس لابد أن يكون ساترا للعورة لكل من الرجل والمرأة بالشروط المعتبرة في لباس كل منهما، فما اختل فيه شرط من شروطه حكم بحرمته أو كراهته، أما التحريم لكونه لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم فهو من العجب العجاب، والأعجب أنه لم يرأحد من القائلين بهذا المذهب لابسا لإزار أو خف، ولا راكبا ناقة، ولا مصليا على راحلته حيث توجهت به.
حكم السبحة:
ولأضرب مثلا أخص من كل هذا وهو حكم السبحة.
فقد قال بعض المعاصرين بحرمتها استنادا إلى أنها بدعة، والدليل على بدعيتها أنها:
لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستعملها، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح على أنامله.
كما أن هذه السبحة تعد بدعة في العبادة، حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة رضوان الله عليهم بالتسبيح ثلاثا وثلاثين في دبر كل صلاة وأن يقول كل منهم مائة مرة حين يصبح وحين يمسي مائة مرة، فحسب زعم هؤلاء تعد أغلظ في التحريم.
وأن السبحة فيها نوع من التشبه بالكفار، حيث أن للنصارى سُبَحَهم، ولليهود سُبَحٌ كما أن للهنادكة والبوذيين مثلها، فيحرم استعمال السبحة حينئذ؛ للمنع من التشبه بالمشركين.
* واستدل المخالف على أن السبحة بدعة بأحاديث منها([25]):
حديث بسيرة الصحابية ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهن أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسئولات مستنطقات([26]).
وحديث ابن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه([27]).
واتخذ من قال ببدعية السبحة من هذين الحديثين عمدة له في الاستدلال على كون السبحة بدعة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو واضح من الحديث أمر بأن يعقد التسبيح على الأنامل.
والإجابة عن ذلك بما يلي:
أما حديث بسيرة الصحابية، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم الذي بين فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله بعقد التسبيح على الأنامل، فليس فيه دليل على تحريم العدول عن التسبيح على الأنامل إلى غيره، كل ما في الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأفضل لمن يريد التسبيح، حيث تكون أنامله شاهدة على عمله يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، وعليه فليس في الحديث هذا أو ذلك ما يدل على تحريم استخدام السبحة.
ويشهد لذلك حديث عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر من مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك([28]).
فرسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على هذه المرأة وبين يديها النوى تسبح به، لم ينهها ولم يقل لها أن ما تفعله منكر، بل أنه عليه الصلاة والسلام بين لها ما هو أيسر من ذلك، وإلا لكان الذكر في الصباح والمساء مرجوحا ويجب علينا تركه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين في الحديث أن ما قاله في هذا الحديث هو الخير، إذ أن في بعض روايات الحديث، أن التي كانت تسبح هي إحدى أمهات المؤمنين، وأن الوقت الذي كان فيه هذا هو بعد الفجر، وهو وقت الذكر كما هو معروف.
وفي الحديث بيان أن السبحة لها أصل معهود ومعروف في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو التسبيح بالنوى أو الحصى من حيث أنه وسيلة لمعرفة العدد.
يؤيد هذا ما ذكره الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في الحديث الذي رواه أحمد في الزهد عن يونس بن عبيد عن أمه أنها رأت أبا صفية، رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان جارنا، فقالت: وكان يسبح على الحصى.([29])
وأما قولهم بأن فيها تشبه بالمشركين وغيرهم من اليهود والنصارى، فيرد عليه بأنه قد ثبت أن للسبحة أصل في السنة، وعلى فرض أنه ليس لها أصل في السنة فليس كل ما لم يكن له أصل في السنة يكون حراما، وقد تقدم الحديث على أن الترك في ذاته ليس حجة في إثبات التحريم، كما أن التشبه بالمشركين ليس ممنوعا في ذاته بل أنه طالما أن ما يفعله المشرك ليس من أمر دينه وملته فإن للمسلمين أن ينقلوا ويستفيدوا منه، وقد نقل عمر رضي الله عنه الدواوين عن الفرس والروم، وصنع مثلها لدى المسلمين، فهل كان فعله بدعة ومحرما؟ اللهم لا فهو خليفة راشد وجبت طاعته وامتثال أمره؛ لأنه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو فقيه عالم، ليس بغمر جاهل يحرم ما يفعله المسلمون لعدم ورود النص فيه.
وقد صدر الإمام أبو داود رضي الله عنه الباب في السنن بعنوان: باب التسبيح على الحصى، وما أتى بهذه الترجمة إلا ليدل على أن السبحة ليست من المحرمات أو البدع بل هي من الدين، فادعاء تحريمها كلام باطل لا دليل عليه.([30])
خاتمة
بعد ما سبق ذكره يتبين فساد قول من حكم ببدعية الزيادة في التكبير، ورفع اليدين في تكبيرات الصلاة والذكر بين التكبيرات، أو من قال بأن خطبة العيد واحدة، ومخالفته في ذلك لجماهير أهل العلم، وكذلك خطا من قال بعدم قبول الحديث الضعيف في الأحكام، وبان كل محدثة بدعة.
وإن المتتبع لكلام الفقهاء في مسألة خطبة العيد وغيرها، يجد أنهم قالوا أنه يخطب العيد ثم لم يتعرض أحدهم لذكر خلاف لأحد من أهل العلم في أن الخطبة واحدة أو اثنتين، بل حتى أن الكتب التي اهتمت بذكر الإجماع والخلاف لم تتعرض لذلك سواء ابن المنذر أو غيره من أهل العلم، وكأن الأمر من المعلوم بالدين من الضرورة؛ لاشتهاره بين يعتبر إجماعه وخلافه.
وإن كاد المرء ليجزم بالإجماع على حكم أغلب المسائل التي سبق ذكرها إلا أنه لا يدعى في هذا المقام، فقول المخالف ـ مع ذلك ـ معتبر إن أتى بدليل ينهض لمخالفة ما سبق بيانه، لا سيما إن كان المخالف من أهل الإجماع والخلاف، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اختلاف أمتي رحمة ".
أفيكون إجماع التابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة ومن بعدهم ممن أخذ العلم عنهم ومن أخذ العلم عنهم من بعدهم من العلماء والأئمة الأعلام غير معتبر ولا حجة؛ لأن أحد أدعياء العلم ممن لا يعتبر في الإجماع إن وافق ولا في الخلاف إن خالف، يقول بقول غير ما قالوه.
فاعجب لهذا الذي خطأ جمهور علماء الأمة من أجل عدم ظهور الدليل عنده، أو أن من أهل العلم قد ضعفه([31])، فإن مَنْ هُمْ أعلم وأفقه وأدرى بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ومن شيوخه قد عملوا بهذه الأدلة في الأحكام، واستدلوا بها على الحلال والحرام، فلا يدعى بأن قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد خطأ لمجرد الهوى والتشهي، وعدم فهم كلامهم، فهم أئمة مجتهدون، وعلى طريق الأحكام سائرون، فمن نقد لهم حكما من أقوالهم إما أن يكون في مثل مكانتهم وهو مُتَعَذَّرٌ في مثل هذا الزمان،([32]) أو يأتينا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالف ما ذهبوا إليه فنذعن لقوله، هذا: وهؤلاء الأئمة هم رواة الأحاديث والآثار، وإليهم تسند الأقوال والأخبار، قد اطلعوا على ما لم يطلع عليه أهل العصر، وكملت لديهم آلات الاجتهاد فَعَلَتْ مكانتهم في كل عصر ومصر، نظروا أدلة الشرع فيما نَقَلَ إليهم من سبقهم من الصحابة والتابعين، فعرفوا الصواب فقالوه فاتبعه أهل الحق من المؤمنين، إذ كان قولهم أولى بالاتباع، ومذهبهم خير من المذاهب المحدثة في بعض الأصقاع، وقد صدق حين قال صاحب الشفاعة: " إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهل فانتظر الساعة ".
وقد أكثر العلماء رضوان الله عليهم أجمعين في التحذير عن الكلام في الشرع بلا دليل، لا سيما وقد قال ربنا جل وعلا في محكم التنزيل: ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ).فدل هذا على وجوب الرجوع إلى أهل العلم في الملمات، فإنهم ورثة الأنبياء، وإليهم الْمََفْزَعُ في الظلماء، بقولهم يهتدى في ظلمات الجهل، وبعلمهم يستنار في حوالك الظلام والضلال، فرضي الله عنهم أجمعين، وجزاهم الله خير الجزاء على ما قدموه للأمة.
على أن أعجب ما في الأمر هذا الذي ذهب إلى تخطئة سلف الأمة وخلفها من التابعين وتابعي التابعين ثم الأئمة الأربعة إلى تابعيهم ومن سار على مناهجهم خلال ألف وأربعمائة سنة، ممن كملت لديهم آلات الاجتهاد وكانوا حجة في الحديث والفقه والأصول واللغة، ليس فقط متبحرين، بل كانوا حجة في هذه العلوم، ثم يحاكم المسلمين لفهمه هو ثم يقول أن المسلمين قد اتفقوا على الضلالة وصلوا العيد خطأ طوال هذه القرون، اللهم غفرا.
وهذه آفة التتلمذ على الكتب والنقل من بطونها دون إرشاد مرشد، وقد صدق الشاطبي رضي الله عنه حين قال في الموافقات: " وقد قالوا: إن العلم كان في صدرو الرجال، ثم نقل إلى الكتب وصارت مفاتحه بأيدي الرجال، وهذا الكلام يقضي بأن لابد في تحصيله من الرجال، وأصل هذا في الصحيح: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس وإنما يقبضه بقبض العلماء" الحديث ".([33])
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارض اللهم عنا واغفر لنا ولمشايخنا وسائر المسلمين، أنت حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[1] - لسان العرب لابن منظور، باب الباء، المصباح المنير باب الباء مع الدال وما يثلثهما، مختار الصحاح باب الدال، القاموس المحيط للفيروزآبادي باب العين فصل الباء، ومعاني القرآن للفراء 3/50.
وقد عرف الإمام النووي البدعة بأنها: إحداث ما لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التعريف مجمل، وظاهره يحتمل أن مذهب الإمام النووي في هذه المسألة: أن كل محدث مذموم، ولكن الإمام النووي وضح مقصوده من ذلك بعده فقال- أن البدعة تنقسم إلى حسنة وقبيحة، وذكر في ذلك كلاما حسنا، انظر: تهذيب الأسماء واللغات 3/23.
[3] - انظر: أصول الدين 188-189، الفرق بين الفرق 32-33، الإنصاف للباقلاني ص: 70، نزهة النظر شرح نخبة الفكر 102-103، أصول علم الجرح والتعديل وعلم الرجال ص 148، وما بعدها، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي 1/342-327، مناقب الشافعي للبيهقي1/452-470، وتجد فيها ـ أي في مناقب الشافعي ـ أن كل المبتدعة الذين ذكرهم كانت بدعهم في أصول الدين، ولذلك تكلموا فيها هل هو داعية إلى بدعته أم لا وهل بدعته مكفرة أم مفسقة، فهل خلا عصرهم من من يخالف في المعاملات أو يخالفهم في دليل أو اجتهاد سائغ.
[4] - النهاية في غريب الحديث والأثر 1/79-80، فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 17/315، المنهاج بشرح مسلم بن الحجاج 3/55-56، إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة، ص : 15-16، تهذيب الأسماء واللغات 3/23، وقد ذكر الإمام النووي رضي الله عنه في هذا الموضع من كتابه كلاما نفيسا نقله من البيهقي عن الشافعي رضي الله عنه، فراجعه هناك.
[6] - جامع البيان في تأويل القرآن 27/139-140، الجامع لأحكام القرآن 17/264، التحرير والتنوير 27/242-243، روح المعاني 27/139، تفسير القرآن العظيم 3/227، والدر المنثور في التفسير بالمأثور 6/197.
[7] - رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة، ومسلم في الزكاة باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.
[9] - رواه الترمذي في كتاب العلم، باب من جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، وابن ماجه في المقدمة، باب من أحيا سنة قد أميتت.
[11] - تنوير الحوالك شرح موطأ مالك 1/137، فتح الباري 13/329-330، جامع العلوم والحكم ص 52، الاستذكار 2/65، حاشيتي السيوطي والسندي على سنن النسائي 3/186-187.
[12] - ما سكت عنه الشارع فلا حكم له هو قول الظاهرية، وهو كلام باطل قطعا، فما من شيء إلا ولله فيه حكم.
[15] - شرح الإمام النووي لصحيح مسلم 11/125، النهاية في غريب الحديث والأثر 1/80، تهذيب الأسماء واللغات 3/23، لسان العرب باب الباء 1/235.
[17] - رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فحكمه مردود، ومسلم في الأقضية، باب نقض الأحكام، وفي لفظ لمسلم: ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ).
[21] - قاله ابن حجر بلفظه ومعناه في أكثر من موضع من الفتح في أبواب الاستنجاء وترا، والصلاة، وصلاة المسافر، وكسوة الكعبة، وتقليد الغنم وغيرها، وأشار إلى ذلك أيضا ابن رشد، بداية المجتهد 1/ 2-4 ، وصنف العلامة عبد الله بن الصديق الغماري رضي الله عنه رسالة في هذا الموضوع سماها: حسن التفهم والدرك في مسألة الترك، وهي مطبوعة، وقد استفدت منها هنا، جزى الله مؤلفها خير الجزاء.
[23] - ذكر لي ذلك أحد المنتسبين إلى العلم وقد ذكر ذلك بكثير من التوقير والاحترام _ الذي قد يصل لحد الغلو عنده لو قيل في علمائنا وشيوخنا الأفاضل ـ لذلك القائل بحرمة استخدام الكهرباء، مع التشديد على احترام العلماء، وإن اختلفوا مع غيرهم فكل مجتهد عنده من أمثال هؤلاء مصيب، في نفس الوقت الذي وصف فيه من يقول بتقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة ( بالجهل المركب )!!.
[24] - لم يستح أحدهم فكتب في كتاب له: ومن بدع الصلاة: القنوت في صلاة الفجر، بل وصنف أحدهم كتابا في أخطاء المصلين ضمنه ما اعتبره آلاف الأخطاء في الصلاة، يعلم الناظر فيه من أهل العلم أنه لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به؛ بدع فيه ـ دون أن يدري ـ الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، والأئمة الأربعة، والأمة كلها، وحاكم الأمة لفهمه السقيم.
[25] - وألف بعضهم في هذه المسألة كتبا، منها: السبحة لبكر بن عبد الله أبو زيد ، وكذلك عقد لها الألباني في السلسلة الضعيفة فصلا للحديث عنها وعن أحاديثها، وغيرهما عدلت عن ذكرهما خشية الإطالة.
[30] - ذكر الألباني في السلسلة الضعيفة كلاما طويلا في إنكار السبحة مضعفا الأحاديث الواردة فيها، وقد رد عليه الشيخ محمود سعيد ممدوح بما فيه الكفاية، وقد استفدت منه هنا أشياء، فجزى الله مؤلفه خير الجزاء.
وممن قال بسنية السبحة وعدم تحريمها ورد على الألباني أيضا: العلامة أبو الفضل عبد الله بن الصديق الغماري في رسالته الممتعة: إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة ص 22 وما بعدها، وقد تكلم عنها الشيخ العلامة محمود خطاب السبكي رحمه الله ورضي عنه في المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود 8/163 – 164، وقال ابن تيمية رحمه الله باستحبابها، انظر فتاوى ابن تيمية 22/506.
[31] - هذا إن سلم أصلا أن المخالف من أهل العلم أو كان له عند،أو أن من ضعف له حق التضعيف، أو حتى يسلم له أصلا ضعف ما ذهب إليه جمهور علماء الأمة.
[32] - اللهم إلا إن كان المخالف يعتبر أن المخالفين أئمة مجتهدون، وهو ما يربأ بأهل العلم عنه، وحتى لو سلم لهم أنهم أهل للتضعيف والتصحيح، فما قيمة أقوالهم مقارنة بأقوال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد، بل من هم إلى جوار النووي وابن حجر وابن أبي زيد وابن عابدين وابن قدامة وغيرهم ممن أجمعت الأمة على إمامتهم.
تعليقات
إرسال تعليق